السيد كمال الحيدري
51
معرفة الله
الإخلاص لغةً كما عرفت يقابل الشوب ؛ فهو الخلوص من كلّ شوب ، وينقسم إلى ثلاثة أقسام : الأوّل : إخلاص العوامّ ، وهو ما يوافق المعنى اللغوي ، حيث يُراد به تصفية كلّ عمل قلبيّ من كلّ شوب ، بحيث يكون لله وحده ، أو هو تصفية الأعمال عمّا يشوبها من الحظوظ المتعلّقة بأعراض الدُّنيا « 1 » . الثاني : إخلاص الخواصّ ، وهو إخراج رؤية العمل من العمل بحيث لا تفتخر في نفسك بالعمل ولا تعتقد أنّك تستحقّ عليه ثواباً ، وبهذا الإخلاص يحصل الخلاص من طلب الأعواض ، فإنّ العبد وما يملك لسيّده . الثالث : إخلاص خاصّة الخاصّة ، وهو الخلاص من رؤية الإخلاص فإنّ الإخلاص علّة تحتاج إلى الخلاص منها ، وذلك بأن ترى أنّ الله تعالى هو الذي استخلصك ، فجعلك مُخلَصاً « 2 » . ولا ريب أنّ الثاني مستبطن للأوّل لأنّه الأوّل وزيادة ، كما أنّ الثالث مستبطن لهما لأنّه هما وزيادة . فالأوّل مطلوب من عامّة الناس وهو الذي يقع في قباله الرياء . فالإخلاص هنا هو مصانعة الوجه الواحد وهو الله تعالى ، والرياء هو مصانعة الوجوه وهي الأغيار « 3 » . وهذه المرتبة من الإخلاص مهمّة جدّاً رغم أنّها تُمثّل الحدّ الأدنى من الإخلاص في نظر أهل الذوق والتحقيق « 4 » ، وذلك لأنّها تمثّل مرحلة أولى في السلّم التكاملي في دائرة الإخلاص ، ثمّ تأتي مرحلة أخرى أكثر دقّة وعمقاً حيث يُراد من الفاعل للعمل سلب فاعليّته فلا ينتظر مقابلًا أو عطاءً أو أجراً على ما أتى لأنّه في واقع الحال لم يأتِ بشيء وإنّما وُفّق لشيء هو كمال بحدّ ذاته ، ولازمه الشكر لا انتظار العطاء والأجر ،
--> ( 1 ) لطائف الأعلام في إشارات الإلهام ، للشيخ العارف عبد الرزّاق الكاشاني ، صحّحه مجيد هادي زاده ، نشر مؤسّسة الطباعة والنشر لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي ، الطبعة الأولى ، 1421 ه ، إيران : ص 80 79 . ( 2 ) المصدر السابق : ص 80 . ( 3 ) الذين على فرض إرضائهم جميعاً وهو محال عادةً فإنّهم لا يغنون مُصانِعهم عن ربّ العالمين ، بخلاف رضا الله تعالى . روي عن أُويس القرني رحمه الله أنّه قال : / / ما سمعت كلمة كانت للحكماء أرفع من قولهم « صانع وجهاً واحداً يكفك الوجوه كلّها » . انظر : تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورّام ) ، مصدر سابق : ج 2 ص 113 . ( 4 ) أي العرفاء خاصّة ، وليس المراد بالذوق هنا ما هو منسوب إلى الذائقة الحسّية التي نُميّز بها نوع المأكل والمشرب ، كما أنّه لا يُراد به مجموع الاستحسانات العرفية التي تتحكّم بها الثقافات والأعراف والتقاليد والظروف المحيطة بها ، وأيضاً لا يُراد به الذوق الأدبي ، وإنّما المراد به الشهود والحضور والمكاشفة ، فأهل الذوق هم أهل الشهود والمكاشفات وهم العرفاء خاصّة لا غير ، والذوق كما يرى مُنظّر هذا الفنّ في رسائله هو « أوّل مبادئ التجلّيات الإلهية » . انظر : رسائل ابن عربي للشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي ، نشر دار الكتب العلميّة ، الطبعة ، 1421 ه ، بيروت : ص 410 . وأمّا التحقيق فإنّها تُطلق في هذا الفنّ ويُراد بها التحقّق بالشيء المقصود ، وليس التحقّق من الشيء المقصود ، وشتّان بين الأمرين ، بعبارة أخرى : إنّه يمثِّل مرتبة وجودية يصل إليها العارف وليس هو مجرّد مرتبة علمية ظاهرية .